الشيخ محمد زاهد الكوثري
140
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
فإن احتجوا بقوله تعالى : وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [ الإسراء : 86 ] وقالوا : ما جاز عليه الذهاب والعدم فإنه مخلوق . فالجواب عن هذا السؤال مثل الجواب المتقدم ؛ لأن الذهاب والعدم إنما يكون في الحفظ والرسم ، دون المحفوظ الذي هو كلام اللّه تعالى . ويدل على هذا : أن ابن مسعود رضي اللّه عنه لما قال : استكثروا من قراءة القرآن قبل أن يرفع . فقيل له : كيف يرفع وقد حفظناه في صدورنا وأثبتناه في مصاحفنا ؟ فقال : يسرى عليه فيذهب حفظه من الصدور ، ورسمه من المصاحف . وهذا صحيح ، لأن حفظ المخلوق مخلوق مثله ، وحفظه مخلوق مثله ، فيتصور عليه الذهاب والعدم بالنسيان والمحو . وأما المحفوظ والمكتوب « 1 » الذي هو كلامه القديم ، فلا يتصور عليه ذلك . فاعلم ذلك وتحققه . فإن احتجوا بقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم » قالوا : وما جاز أن ينتقل ويتحول ويسافر به فهو مخلوق . قلنا : كم هذا التمويه الذي تشبهون به على العوام وجهّال الناس ، لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم إنما أراد بهذا الكلام حمل المصحف الذي فيه كلام اللّه مكتوب ، ولم يرد بذلك نفس كلامه القديم الذي هو صفة من صفات ذاته ، وقد قرنه صلى اللّه عليه وسلم بما يدل على أن المراد به المصحف دون غيره ؛ ألا تراه قال : « مخافة أن تناله أيديهم » ومعلوم أن الذي تناله أيديهم إنما هو المصحف دون غيره ، وقد بيّن عليه السلام ذلك في حديث آخر ، وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم لبعض أصحابه : « لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر » يريد بذلك الصحف التي يكتب فيها القرآن ، دون نفس القرآن الذي هو كلام اللّه تعالى ، لأنه صفة من صفات ذاته ، ولا يتصور على صفات ذاته اللمس ونيل الأذى . فإن قالوا : أجمعنا على أن القرآن سور ، والسور آيات ، والآيات كلمات ، والكلمات حروف وأصوات ، وجميع ذلك يدل على كونه محدثا مخلوقا ؛ لأن السور معدودة محسوبة ؛ لها أول وآخر ، وكذلك الآيات والحروف ، وما دخله الحصر والعد وكان له أول وآخر فهو مخلوق ، وهذه الشبهة التي سخمت وجوه من وافقهم في
--> ( 1 ) وصف القرآن القائم باللّه سبحانه بالمكتوب ، والمحفوظ والمتلو من قبيل وصف المدلول بوصف الدال مجازا كما حققه التفتازاني في شرح المقاصد على ما سبق ( ز ) .